وهبة الزحيلي

163

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ثم أمر اللّه نبيّه بردّ شبهتهم قائلا قُلْ : مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ . . أي : إن طلبكم التأخير وقعودكم عن القتال خشية الموت ناشئ من الرغبة في متاع الدّنيا ولذّاتها ، مع أن كلّ ما يتمتع به في الدّنيا زائل وقليل بالنسبة إلى متاع الآخرة ، وآخرة المتّقي خير من دنياه ؛ لأن نعيم الدّنيا محدود فان ، ومتاع الآخرة كثير باق لا كدر فيه ولا تعب ، ولا يناله إلا من اتّقى اللّه ، فامتثل ما أمره اللّه به ، واجتنب ما نهى اللّه عنه ، وستحاسبون على كلّ شيء . ولا تنقصون شيئا مهما قلّ كالفتيل ( ما يكون في شقّ نواة التمر كالخيط ) من أعمالكم ، بل توفونها أتمّ الجزاء . وهذا تسلية لهم عن الدّنيا ، وترغيب لهم في الآخرة ، وتحريض لهم على الجهاد . وإن الموت أمر محتم لا مفرّ منه ، وأنتم صائرون إلى الموت لا محالة ، ولا ينجو منه أحد ولو كان في قصر محصن منيع مرتفع مشيد ، فملك الموت لا تحجزه حواجز ولا تعوقه عوائق ، كما قال تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ آل عمران 3 / 185 ] ، وقوله : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [ الرحمن 55 / 26 ] ، وقوله : وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [ الأنبياء 21 / 34 ] . وإذا كان الموت مصير الخلائق جميعهم ، وفي أجل محدود لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون ، فلا خشية من الجهاد ، فسواء جاهد الإنسان أو لم يجاهد ، فإن له أجلا محتوما ومقاما مقسوما ، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه : « لقد شهدت كذا وكذا موقفا ، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية ، وها أنا أموت على فراشي ، فلا نامت أعين الجبناء » . وكم من محارب نجا ، وقاعد على فراشه عن الحرب مات حتف أنفه . ثم ذكر سبحانه وتعالى ما يتعجب منه بسبب مقالة أولئك المنافقين ، فإذا أصابتهم حسنة من غنيمة أو خصب أو رزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك ،